Sunday, April 23, 2017

يقال أن عجائب العالم سبعة. إلا أننا في طرابلس قد نجد عجائب شتى تتفرع في مجالات عدة ما بين الطبيعية والأثرية والفكرية، ولكنها جميعا تندرج في إطار الإهمال المزمن وغياب الإنماء الرسمي والحكومي. وهنا نقف أمام عجيبة“مكتبية”تحارب في سبيل البقاء وتجاهد في طريق نشر قيمة المعرفة وأهمية العلم. إنها مكتبة السائح أو مكتبة الأب سروج، الأغرب والأغنى في طرابلس ولبنان، فهل زرتها يوما؟
بعدما تدوس قدمك ساحة النجمة، وتجرك خطواتك بلهفة كبيرة إلى“الزاوية”المختبئة تحت“عقد حجري قديم”ستصل حتما إلى الباب الأول من المكتبة الأثرية، حيث تستقبلك لافتة تعكس ألوانها الباهتة مدى“عتقها”وقد كتب عليها“مكتبة السائح”بالخط العريض. قبل أن تدخل الباب الزجاجي تغدرك نظراتك التي تلمح الباب الثاني المجاور والذي يترك غالبا مفتوحا على مصراعيه، فتستقبلك السيدة“نهى”بإبتسامة بريئة، وبسرعة تنطلق مقلتيك في رحلة الغوص في الكتب ومحتواياتها.
مكتبة السائح الأربعينية، إنطلقت من أحضان حركة الشبيبة الأرثوذكسية حيث تأسست عام 1970 وكانت صغيرة الحجم تقتصر على غرفة واحدة، وبعد سنين قليلة دخلت مغامرة النشر فأصدرت ما يقارب الكتب العشرة. وفي تموز 1980 شرعت بإصدار“المنشورات الأرثوذكسية”. ومنذ تموز 1881 بدأت بإصدار“المنشورات الجامعة”، ومع مطلع سنة 1982 لحقتها ب”كراسات الأورثوذكسية”.  وسنة 1983 قرر ثلاثة أشخاص تطوير دار علمهم، بما تيسر لهم من إمكانيات، فكان سمير مخول، طوني بولس، إبراهيم سروج، مناضلون في سبيل المكتبة. وجاءت أولى خطوات هذا الحلف الثلاثي بشراء المستودع المجاور للغرفة الأساسية في المكتبة. وهي كانت عبارة عن مستودع حديد وإسمنت وأدوات بناء قبل شرائه وتحويله إلى مكتبة، ويمكننا أن نستشف ذلك عبر“أرضية”المكتبة والتي كما يعرفها الأب سروج“لا مثيل لها حتى في أفقر مكتبات عكار القديمة”.
إلا أن مساحة المكتبة وإحتضانها لأكثر الكتب ندرة في العالم جعلتها محط أنظار للعديد من الطامعين والحاسدين، فحتى اليوم ينشغل الأب سروج في زيارة القضاء بعد أن طلب أحد الأشخاص منه إخلاء العقار رقم 7 على خلفية أنه لا يملك العقار رسميا. لكن رواية سروج تختلف تماما إذ يقول:“عندما قررنا توسيع المكتبة، تقدمنا بطلب لشراء العقار المجاور وحصلنا من المالك على ورقة“خلو أجر”تثبت ملكيتنا. إلا أن النكتة تكمن في السجلات الحكومية فموقع العقار غير مسجل أصلا في الخريطة العقارية لطرابس.”
هذه المكتبة التي تعاني الكثير من الإهمال وعدم الرعاية المطلوبة، تضم أكثر الكتب ندرة في العالم حيث يفيد الاب سروج  أن أسعار بعض الكتب لديه تصل إلى 5 آلاف دولار أميركي، ويشدد“نحن منذ البداية لم نهتم بالظاهر ولا بشكل المكتبة بل إعتنينا بالمضمون الداخلي وهذا تحديدا ما جعلنا مرجعا هاما للجميع في كل أنحاء العالم.”فمكتبة السائح تضم حوالي 79697 كتابا، يتوزعون في شتى حقول العلم والمعرفة، وبكل لغات العالم من العربية والفرنسية والإنكليزي واليابانية والألمانية والسويدية والهولاندية واليونانية…وغيرها. وعليه يفيد سروج:“كل ما تطلبه موجودا، وإذا كان غير متوفر نسعى لتأمينه بأسرع وقت.”
بين الأب سروج ومكتبة السائح علاقة مد وجزر وبحر من المعلومات الوافرة، فالأب الأرثوذكسي سني الهوى وعلوي الميل ودرزي الشوق وماروني الشعور. يعتمد في عمله داخل المكتبة على مساعداة الجيران. فهم يسخرون أوقات فراغهم لدعم هذا الرجل الكهل والشد على يده ليستمر في عمله التي تستفيد منه أمة الفيحاء كاملة. فبداخل المكتبة شباب من الجوار يتعاونون على ترتيب الرفوف المكتبية، وإعادة تدوين عناوين الكتب وأسماء كتابها بعد أن يكون الزمن قد جردها من ألوانها. وفي السياق يؤكد سروج أن أقدم كتاب يعود إلى عام 1817 وهو للكاتب الأميركي الكولونيل تشرشل وعنوانه“جبل لبنان”، ويقدر ثمن النسخة الأصلية منه المكتوبة باللغة الإنكليزية ب3 ألاف دولار.
وعليه، فحاليا ينغمس  الاب في تقطيع الخشب العامودي لبناء“رف”جديد في المكتبة تحت عنوان“دائرة الكتب النادرة”، بعد أن فاق العدد ال400 كتاب نادر أوفقود، نضيف عليهم أيضا بعض المخطوطات الإسلامية القديمة والمجلدات العلمية المفقودة.
ويعود الأب سروج ليسرد المزيد من القصص حول مكتبته التاريخية دون أن تغيب إبتسامته عن وجهه. ويروي بعض المشاكل التي قد تواجهه في الأمن العام بسبب نوعية الكتب أو محتواها والتي قد تكون ممنوعة من التداول في بعض الأحيان، إلا أن عند الأب سروج ما من محظور. وهو يتعامل مع دور النشر كافة للحصول على الكتب، فإما يدفع لهم ثمن الكتب التي يريد وإما يقوم بمقايضتها مع كتب آخرى من منشورات“السائح”نفسها. وعلى الرغم من مشاركة سروج بعدد من معارض الكتب العالمية، ففي نفسه غضب عارم من الناشرين الذين يتركون أعناقهم رهن سيوف المؤسسات الخاصة، التي تدعي تنظيم المعارض بينما كل ما يهمها حقيقة هو الكسب المادي.
أما لناحية تسعير الكتب فيقوم الأب سروج عادة بإعتماد أسعار دور النشر في الكتب التابعة لها، أما كتبه الخاصة والتي قد يحصل عليها من الخارج فيقوم بوضع أسعار مناسبة لها، إنطلاقا من مضمون الكتاب وأهميته. وينتقد بشدة العقل العربي الذي لا يقدر أهمية العلم والقراءة والثقافة، ويروي لنا إحدى أطرف الحكايات التي حدثت معه:“قديما كنت أحصل على الكتب من بعض العاملين في السوكلين، إذ اتفقت مع أحدهم أن يأتي إلي بالكتب التي يجدها مرمية في حاويات النفايات مهما كان شكلها أو نوعها، مقابل مبلغ صغير من المال. وفي إحدى المرات جاءني بمجموعة كبيرة من الكتب المدرسية والعامة وهي مجموع ما رمته مدرسة الأميركان من نوافذها صباحا، على إعتبار أن لا قيمة لها. فلشو نخلي هل كتب كلا؟.”

0 comments:

Post a Comment

Feel free to leave a comment, and it will be posted immediately. However, if your comment is offensive in anyway it will be deleted, so please be decent and thoughtful of what it is you plan on saying.